languageFrançais

كيف أثّرت تغيّرات المناخ على مزاج التونسيين؟

لم تعد تداعيات التغيرات المناخية في تونس تقتصر على ارتفاع درجات الحرارة أو موجات الحر المتعاقبة، بل بدأت تنعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية للتونسيين، في ظل تزامنها مع أزمات مرتبطة بالمياه والكهرباء، ما خلق حالة من الضغط والتوتر باتت تطغى على المزاج العام.

ويفسّر أستاذ علم الاجتماع سنيم بن عبد الله هذه الحالة بوجود ضغط خارجي متواصل تسببه ظروف اجتماعية واقتصادية ومناخية استثنائية  مشيرا إلى أن موجات الحرارة الشديدة إلى جانب انقطاعات المياه والكهرباء ومخاوف من فقدان بعض المواد الأساسية من الأسواق، ساهمت في خلق هواجس ومخاوف مشتركة بين فئات اجتماعية مختلفة.

تنامي سلوكيات جديدة

ويشير بن عبد الله إلى أن تنوع المجتمع التونسي يفترض اختلاف اهتماماته ومخاوفه، غير أن الأزمات الحالية جعلت فئات اجتماعية مختلفة تشترك في هواجس متقاربة، بغض النظر عن العمر أو الجنس أو المستوى التعليمي أو الانتماء الاجتماعي والجهوي.

وتتخذ ردود الفعل، وفق أستاذ علم الاجتماع، أشكالا متعددة من بينها الخوف والقلق والتشاؤم وتضخيم المخاطر، وتصديق الإشاعات، واللجوء إلى التخزين في محاولة للتأقلم مع الإحساس بعدم الاستقرار والخوف من تفاقم الأزمات.

وفي المقابل، تتحول هذه المخاوف أحيانا إلى السخرية والتهكم خاصة على شبكات التواصل الاجتماعي وفي النقاشات اليومية، في محاولة للتعامل مع واقع يثير القلق ويصعب التنبؤ بتطوراته.

ويعتبر بن عبد الله أن هذه السلوكيات تعكس درجة من الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، أسهمت في تشكيل ما يمكن وصفه بـ"المزاج العام" في الظرفية الحالية، حتى وإن كان المفهوم، من الناحية السوسيولوجية، مختلفا عن مفهوم الرأي العام.

من موجات الحر إلى أزمة المياه والكهرباء

ولا تتوقف تأثيرات التغيرات المناخية عند ارتفاع الحرارة، إذ يحذّر بن عبد الله من أن تونس، مثل العديد من البلدان، قد تواجه في المستقبل ظواهر مناخية أكثر حدة، من موجات حر شديدة إلى أمطار غزيرة وفيضانات، وهو ما يطرح تحدي قدرة المجتمع والدولة على التأقلم والصمود.

ويرى أن ما تعيشه تونس يكشف، في جانب منه، عن عدم جاهزية كافية للتعامل مع هذه التحولات، خصوصا عندما تتقاطع الظواهر المناخية مع مشاكل يومية مثل ندرة المياه والانقطاعات المتكررة للكهرباء واضطراب التزويد ببعض المواد الأساسية.

ويؤكد أن المطلوب اليوم ليس فقط إدارة الأزمات عند وقوعها، بل فتح نقاش عام حول التغيرات المناخية وتداعياتها على الحياة اليومية، بما يساعد على الانتقال من منطق رد الفعل إلى الاستعداد والتأقلم.

لا مكان للتخويف.. والحاجة إلى نقاش وطني

ويؤكد أستاذ علم الاجتماع أن المجتمع التونسي يحتاج إلى نقاش منظم وواقعي حول معنى التغيرات المناخية وكيفية التعامل معها، بعيدا عن التهويل والتخويف، خاصة وأن هذا النقاش موجود اليوم بشكل غير منظم في الفضاءات الرقمية والمجالس العامة.

ويشدد على أهمية أن يشمل الحوار مختلف المستويات، من الوطني إلى المحلي، باعتبار أن تداعيات التغيرات المناخية تختلف من منطقة إلى أخرى، بين الجهات الساحلية والصحراوية والجزر وغيرها.

وفي هذا السياق، تبقى الدولة الطرف الأساسي في وضع التوجهات العامة وتنظيم العلاقات وإدارة الأزمات، لكن المسؤولية لا يمكن أن تقع على عاتقها وحدها، وفق بن عبد الله، بل تستوجب انخراط المجتمع المدني والخبراء ووسائل الإعلام ومختلف مكونات المجتمع.

حلول من البيئة والموروث التونسي

ولا يرى أستاذ علم الاجتماع أن مواجهة التغيرات المناخية تقتصر على استيراد الحلول من الخارج، بل يدعو إلى البحث أيضا في الموروث الاجتماعي والمعرفي التونسي والاستفادة من التجارب المحلية المتراكمة في التعامل مع المناخ والمياه والزراعة.

فطرق البناء التقليدية، وأساليب التعامل مع الأمطار، واختيار أنواع الأشجار والبذور والنباتات الأكثر قدرة على الصمود أمام الجفاف وندرة المياه، كلها تجارب يمكن إعادة اكتشافها وتطويرها بما يتلاءم مع الظروف الحالية.

ويشير إلى أن مناطق تونسية مختلفة، ومنها جربة وقرقنة وغيرها، راكمت حلولا محلية للتعامل مع البيئة والمياه والظروف المناخية، وهو ما يجعل من هذا الموروث رصيدا يمكن البناء عليه.

كما يدعو إلى الاستفادة من التجارب المقارنة في دول أخرى، وتطوير ما وصفه بالحلول القائمة على الطبيعة، بما يسمح بتعزيز قدرة المجتمع على التكيف مع التغيرات المناخية التي يبدو أنها ستستمر في التأثير على الحياة اليومية.

التكيف.. مسؤولية جماعية

وبين أزمات المياه والكهرباء واضطراب التزويد وموجات الحر، يبدو أن التغيرات المناخية لم تعد قضية بيئية بعيدة عن تفاصيل الحياة اليومية، بل أصبحت عاملا يؤثر في سلوك التونسيين ومخاوفهم وحتى في علاقاتهم بالفضاء العام.

ومن هنا، فإن تجاوز حالة القلق والضغط التي ترافق هذه الأزمات يمر، وفق المقاربة السوسيولوجية، عبر بناء ثقافة اجتماعية جديدة للتكيف، تقوم على الوعي بالمخاطر، وترشيد السلوك، والاستعداد الجماعي، والاستفادة من الخبرات المحلية والدولية، بدل ترك المجال للخوف والإشاعات وردود الفعل الفردية.

كريم وناس 

share